السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )
135
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين
وبقولهم : « هجر » ؛ حيث لم يبق لذلك الكتاب أثر سوى الفتنة كما قلت حرسك اللّه . - قال رحمه الله : - وربما اعتذر بعضهم بأنّ عمر رضي الله عنه ومن قالوا يومئذ بقوله لم يفهموا من الحديث أنّ ذلك الكتاب سيكون سببا لحفظ كلّ فرد من أفراد الامّة من الضلال على سبيل الاستقصاء ، بحيث لا يضلّ بعده منهم أحد أصلا ، وإنّما فهموا من قوله : « لا تضلّوا » أنّكم لا تجتمعون على الضلال بقضّكم وقضيضكم « 1 » ، ولا تتسرّى الضلالة بعد كتابة الكتاب إلى كلّ فرد من أفرادكم ، وكانوا - رضي اللّه تعالى عنهم - يعلمون أنّ اجتماعهم بأسرهم على الضلال ممّا لا يكون أبدا ؛ وبسبب ذلك لم يجدوا أثرا لكتابته ، وظنّوا أنّ مراد النبيّ ليس إلّا زيادة الاحتياط في الأمر ؛ لما جبل عليه من وفور الرحمة ، فعارضوه تلك المعارضة ، بناء منهم أنّ الأمر ليس للإيجاب ، وأ نّه إنّما هو أمر عطف ومرحمة ليس إلّا ، فأرادوا التخفيف عن النبيّ بتركه ، إشفاقا منهم عليه صلى الله عليه وآله وسلم . - قال : - هذا كلّ ما قيل في الاعتذار عن هذه البادرة ، لكن من أمعن النظر فيه جزم ببعده عن الصواب ؛ لأنّ قوله عليهالسلام : « لا تضلّوا » يفيد أنّ الأمر للإيجاب كما ذكرنا ، واستياؤه منهم دليل على أنّهم تركوا أمرا من الواجبات عليهم « 2 » . وأمره إيّاهم بالقيام مع سعة ذرعه ، وعظيم تحمّله دليل على أنّهم إنّما تركوا من الواجبات ما هو أوجبها وأشدّها نفعا ، كما هو معلوم من خلقه العظيم . - قال : - فالأولى أن يقال في الجواب : هذه قضيّة في واقعة كانت منهم على خلاف سيرتهم ، كفرطة سبقت ، وفلتة ندرت ، لا نعرف وجه الصحّة فيها على سبيل التفصيل ، واللّه الهادي إلى سواء السبيل . قلت : قد استفرغ شيخنا وسعه في الاعتذار عن هذه المعارضة ، وفي حمل المعارضين فيها على الصحّة ، فلم يجد إلى ذلك سبيلا ، لكنّ علمه واعتداله وإنصافه
--> ( 1 ) - . يقال : جاء القوم بقضّهم وقضيضهم : أي جميعهم يندفع آخرهم على أوّلهم ، أو جميعهم الكبار منهم والصغار ، لم يتخلّف منهم أحد ؛ لأنّ القضّ : الحصى الكبار ، والقضيض : الحصى الصغار . المعجم الوسيط : 742 ، « ق . ض . ض » . ( 2 ) - . الموسوعة ج 1 ، المراجعات ، المراجعة 87 .